عبد الملك الجويني
6
نهاية المطلب في دراية المذهب
وعن عمر بن الخطاب أنه قال : " إذا تحدثتم ، فتحدثوا بالفرائض وإذا لهوتم ، فالهوا بالرمي " ( 1 ) . وكان يجب على المحتضَر في ابتداء الإسلام الوصيةُ للوالدين والأقربين ، كما أنبأ عنه قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } [ البقرة : 180 ] أيْ فرض عليكم إذا حضر أحدَكم علاماتُ الموت إن ترك مالاً ، قال الله تعالى : { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [ العاديات : 8 ] معناه لحب المال لبخيل . واختلفوا في المراد بالأقربين المذكورين مع الوالدين ، فذهب بعضهم إلى أن الأولاد يندرجون تحت الأقربين . وقال قائلون : كانت الوصية تجب للوالدين ، ومن عدا الأولاد من الأقربين ، وكان الأولاد يأخذون ما يفضل من الوصايا ، ويشهد لذلك قوله تعالى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا } [ النساء : 9 ] معناه ليخْش الذين يحضرون المحتضَر من الشهود ، ولْينصحوه إذا قصد أن يستغرق المال ، ولا يُبقي للأولاد شيئاً ، وليتقوا الله في نصيحته ، وليقولوا قولاً معروفاً . ثم هدّد الأوصياء وتوعّدَهم على التبديل ، فقال تعالى ( 2 ) : { فمن بدله } من الأوصياء { بعد ما سمعه } من الموصي ، { فإنما إثمه } ووباله على المبدّلين ، فإن الله سميع بما قال الموصي ، عليم بما يفعله . ثم أطلق على الأوصياء التخويفَ إذا علموا من الموصين ميلاً في وصاياهم ، فقال عزّ من قائل : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا } [ البقرة : 182 ] : أي علم منه ميلاً ، والخوف يأتي بمعنى العلم ، { فلا إثم عليه } هو ، في أن يُبدّله ، وذلك مثل ألا يُبقي للأولاد شيئاً .
--> ( 1 ) أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رواه البيهقي ( 6 / 209 ) ، والحاكم ( 4 / 333 ) وقال : = صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ، وأعله الحافظ بالانقطاع . ر . التلخيص : ( 3 / 186 ح 1409 ) . ( 2 ) هذا معنى الآية الكريمة [ البقرة : 181 ] ، حيث مزج التفسير بالألفاظ الكريمة .